في كثير من البيئات المؤسسية، نميل إلى تفسير الإخفاقات من خلال الأفراد: هذا الفريق ضعيف، ذلك القائد غير مناسب، تلك الإدارة لا تؤدي دورها كما ينبغي.
لكن مع تكرار نفس المشكلات — رغم تغيير الأشخاص، وتحديث اللوائح، وزيادة الموارد — يصبح السؤال أعمق من مجرد "من أخطأ؟".
ربما لا تكون المشكلة في الأشخاص أصلًا، بل في النظام الذي يعملون داخله.
هنا تظهر هندسة النظم كعدسة فكرية مختلفة: لا تبحث عن السبب في نقطة واحدة، بل في الشبكة كاملة؛ في العلاقات، والتغذية الراجعة، والحوافز، والزمن.
وليست هندسة النظم، في هذا السياق، تخصصًا هندسيًا تقنيًا بقدر ما هي طريقة لفهم التعقيد المؤسسي.
من التفكير الخطي إلى التفكير النظمي
العقل البشري يميل بطبيعته إلى التفكير الخطي:
سبب → نتيجة.
قرار → أثر مباشر.
لكن الأنظمة المعقدة — مثل المؤسسات، الأسواق، المجتمعات — لا تعمل بهذه البساطة.
فيها:
- علاقات غير مباشرة
- آثار متأخرة زمنيًا
- حلقات تغذية راجعة تضخّم أو تضعف النتائج
- وسلوكيات تظهر من التفاعل لا من النية
لذلك، كثير من القرارات "المنطقية" على المدى القصير، تنتج آثارًا سلبية على المدى الطويل.
وكثير من الحلول "الناجحة" في قسم واحد، تخلق مشكلات في أقسام أخرى.
هندسة النظم لا تسأل فقط: هل القرار صحيح؟
بل تسأل: كيف سيتفاعل هذا القرار مع بقية النظام؟ ومع الزمن؟ ومع سلوك البشر داخله؟
لماذا تفشل الحلول الجيدة في أنظمة سيئة التصميم؟
أحد أكثر الأنماط شيوعًا في المؤسسات هو هذا:
- تظهر مشكلة
- يتم التعامل معها بسرعة
- تتحسن النتائج مؤقتًا
- ثم تعود المشكلة بشكل مختلف — وأحيانًا أسوأ
هذا لا يعني أن الحل كان سيئًا بالضرورة، بل يعني أنه عالج العرض لا البنية.
عندما يكون النظام مصممًا بطريقة:
- تكافئ السرعة أكثر من الجودة
- تكافئ الإطفاء أكثر من الوقاية
- تكافئ الإنجاز الفردي أكثر من التعلم الجماعي
فإن السلوك الناتج سيكون منطقيًا داخل هذا السياق، حتى لو كان ضارًا على المدى البعيد.
هنا لا يصبح السؤال: لماذا يتصرف الناس هكذا؟
بل: لماذا يبدو هذا السلوك عقلانيًا ومجزيًا داخل هذا النظام؟
القيادة كتصميم لا كتصحيح
في هذا الإطار، تتحول وظيفة القيادة جذريًا.
ليست القيادة مجرد:
- تصحيح أخطاء
- محاسبة أداء
- تحفيز فرق
بل تصبح في جوهرها عملية تصميم:
تصميم للهياكل، والحوافز، والتدفقات، والمساحات النفسية، وسياقات القرار.
القائد لا يغيّر الناس بقدر ما يغيّر الشروط التي يعمل الناس ضمنها.
وعندما تتغير الشروط:
- يتغير السلوك دون مقاومة
- ويتحول التعاون من قيمة أخلاقية إلى خيار عملي
- وتصبح الجودة نتيجة طبيعية لا عبئًا إضافيًا
أسئلة نظمية لكل قائد
بدل الأسئلة التقليدية، تقترح هندسة النظم مجموعة أسئلة مختلفة:
- ما الذي يكافئه نظامنا فعليًا، لا نظريًا؟
- ما السلوكيات التي يجعلها هذا النظام أسهل من غيرها؟
- أين تظهر الآثار المتأخرة لقراراتنا؟
- ما المشكلات التي نستمر في "حلّها" منذ سنوات؟ ولماذا لم تختفِ؟
- ما الذي نحاول السيطرة عليه بدل أن نعيد تصميمه؟
هذه الأسئلة لا تُلامس الأشخاص، بل تلامس البنية.
ولا تنتج اتهامًا، بل فهمًا أعمق.
نحو وعي نظمي في القيادة
في عالم يتزايد تعقيدًا، لم تعد الحلول السريعة ولا الخطابات التحفيزية كافية.
نحتاج إلى انتقال في مستوى التفكير: من إدارة الأعراض إلى فهم الأنظمة، ومن تصحيح النتائج إلى تصميم السياقات.
هندسة النظم لا تعِدنا بعالم بلا مشاكل، لكنها تمنحنا شيئًا أهم:
القدرة على رؤية ما كنا نغفله، وفهم ما كنا نختزله، والتعامل مع التعقيد بوعي بدل مقاومة.
وربما هذا هو الدور الجديد للقيادة اليوم:
أن تكون فن تصميم البيئات التي تسمح للناس أن ينجحوا… لا أن تطلب منهم النجاح داخل بيئات تمنع ذلك.



