مع اقتراب نهاية العام، يجد كثير من المهنيين أنفسهم عالقين بين سباق الإنجاز المتأخر، وضغط التخطيط المبكر للعام القادم. تمضي الأيام سريعًا، وتُطوى سنة كاملة دون أن نمنح أنفسنا لحظة هادئة لفهم ما حدث فعلًا. وهنا تضيع فرصة ثمينة: فرصة المراجعة الواعية.
في شُروع، نؤمن أن البداية الصحيحة لا تأتي من الحماس وحده، بل من الوضوح. والوضوح لا يُبنى إلا حين نُحسن النظر إلى الخلف، لا جلدًا للذات، ولا اجترارًا للأخطاء، بل فهمًا عميقًا لما أنجزناه، وما تعلمناه، وما يستحق أن نحمله معنا إلى المرحلة القادمة.
المراجعة السنوية لا تحتاج إلى نماذج معقدة ولا جلسات مطوّلة. أحيانًا، ثلاث أسئلة صادقة كافية لتضعك على المسار الصحيح.
أولًا: ماذا فعلتُ لنفسي هذا العام؟ (ثلاثة أشياء)
هذا السؤال يبدو بسيطًا، لكنه كاشف. سرعة إجابتك – أو ترددك – تقول الكثير عن علاقتك بذاتك. حين نبدأ المراجعة من هنا، فإننا نُعيد ترتيب الأولويات: أنت لست أداة إنتاج فقط، بل الأصل الذي يقوم عليه كل إنجاز.
الاهتمام بالنفس لا يعني بالضرورة إجازات طويلة أو تغييرات جذرية. قد يكون قرارًا بوضع حدّ صحي في العمل، أو التزامًا بروتين يومي بسيط، أو شجاعة في طلب مساعدة كنت تؤجلها. وقد يكون إنجازًا مهنيًا منحك شعورًا بالاستقرار أو الثقة.
المعيار هنا ليس حجم الفعل، بل أثره عليك. ما الذي جعلك أكثر توازنًا؟ ما الذي خفّف عنك الضغط؟ ما الذي جعلك تشعر بأنك تدير حياتك بوعي أكبر؟ هذه الإجابات ترسم خريطة احتياجاتك الحقيقية، لا تلك التي يفرضها السياق من حولك.
ثانيًا: ما أبرز ثلاثة إنجازات حققتها هذا العام؟
الإنجاز ليس حدثًا عابرًا، بل نتيجة قرارات وسلوكيات. لذلك، لا يكفي أن نقول: تحقق الهدف، بل الأهم أن نفهم: كيف تحقق؟ وما دوري فيه؟
قد يكون الإنجاز شخصيًا أو مهنيًا، صغيرًا أو كبيرًا، لكنه يجب أن يعكس مساهمتك أنت. ربما طوّرت مهارة، أو قدت مشروعًا بفعالية، أو أصلحت علاقة مهنية معقدة، أو اتخذت قرارًا صعبًا في توقيت حاسم.
التوقف عند الإنجازات يمنحك أمرين مهمين: الثقة، والوعي.
الثقة بأنك قادر على التقدّم، والوعي بما يجدي نفعًا فعلًا. اسأل نفسك: ما السلوك الذي تكرر خلف هذه النجاحات؟ هل هو الانضباط؟ التواصل؟ الجرأة؟ هذه ليست مجرد إجابات للماضي، بل أدوات للمستقبل.
ثالثًا: ما أهم ثلاثة دروس تعلمتها هذا العام؟
لا يخلو أي عام من لحظات ثقيلة. إخفاقات، توترات، قرارات لم تسر كما توقعت. لكن القيمة الحقيقية لا تكمن في الحدث، بل في الدرس الذي يخرج منه.
حاول أن تختصر كل درس في جملة واحدة واضحة. جملة يمكن أن تعود إليها لاحقًا. قد يكون درسًا عن حدودك، أو عن توقيت القرارات، أو عن الأشخاص، أو عن نفسك حين تُوضع تحت الضغط.
هذه الدروس هي رأس مالك المعرفي. تجاهلها يعني تكرار الأخطاء، والاحتفاظ بها يعني النضج. اكتبها، وراجعها، واجعلها مرجعًا صامتًا يوجّه اختياراتك القادمة.
من المراجعة إلى الانطلاق
كثيرون يقفزون مباشرة إلى الأهداف والخطط مع بداية عام جديد، لكن دون أرضية صلبة. المراجعة الواعية تخلق جسرًا بين ما كان، وما سيكون. تساعدك على حمل ما نجح، وترك ما استنزفك، والدخول إلى المرحلة القادمة بوعي أهدأ وقرار أكثر رسوخًا.
في شُروع، نرى أن البداية ليست تاريخًا في التقويم، بل موقفًا ذهنيًا. وهذه الأسئلة الثلاثة ليست نهاية عام فقط، بل تمرينًا يمكن العودة إليه كلما احتجت إلى إعادة ضبط الاتجاه.
ابدأ من الفهم.. ثم انطلق.




